mai
11
لعبة الغش…من الحضانة إلى الجامعة
Par Abdeladim Hamzaoui
لعبة الغش…من الحضانة إلى الجامعة
و الكبار يغشون أيضا…لأن الغش في الصغر كالنقش على الحجر
الغش في المدارس تطور كأي فن من فنون الحياة، و بفضل هذا التطور في علم الغش المدرسي حصل كثيرون على درجات عالية لا يستحقونها، بينما تعثر »مجدون »أصابتهم رهبة الامتحان فطارت المعلومات و تصبب العرق فسلموا أوراقهم بيضاء من غير سوء.
و من وسائل الغش البدائية جدا من يكتب على دراعيه وعلى « ساقيها » و على أطراف ثوبه ويظل يطل عليها كلما ابتعد عنه المراقب. كما أن « الحرز أو الحجاب »(أي الورقة الصغيرة المكتوبة بخط صغير و رقيق جيدا) تعتبر من أشهر وسائل الغش التي يسهل التخلص منها عند الخطر حتى بواسطة البلع.
و من وسائل الغش الطريفة والتي لا يقبلها الضمير المهني هي حين ينجز الامتحان خارج المؤسسة ويدخله كاتب إداري بالمؤسسة و يسلمه إلى ممتحن معين من ذوي النفوذ.
و أخيرا تدخلت التكنولوجيا في الغش فجاء الهاتف الجوال بما لم تأتي به الوسائل التقليدية فوضع الشاب سماعة الهاتف في أذنه و أخفى سلك السماعة تحت شعره الكثيف (و » المتحجبة »تحت غطائها) و سطر الإجابة التي سلمها له صاحبه بعد أن تعثرت المكالمة أكثر من مرة واكتشف أمره و حرم من الامتحان، بينما نقل منه زميل من خلفه فنجح هذا الأخير دون أن يتحمل مخاطر الغش المباشر.
و جاءت خطوة بعض الجامعات بالإصرار على المقابلة الشخصية و تجريد الطالب قبل ولوجه قاعة الامتحان من كل ما من شأنه يحفز إلى عملية الغش لقطع الطريق على من يعتمد على الغش…
فهل سينتهي الغش المدرسي مع تطور الوسائل التي تسهل القيام به؟؟
هل القبض على التلميذ أو الطالب و هو في حالة « الغش »، حالة تلبس في الاختبار هو نهاية المطاف؟
هل محضر الغش كفيل بالقضاء على هذه الظاهرة؟
يبدو أن القضية أكبر من ذلك و ذلك إذا عرفنا أن أكثر من 90 بالمائة من الممتحنين الغاشين لم يكشفهم أحد، و أن الغش يمارس على نطاق أوسع و بتشجيع من أولياء أمور التلاميذ في المدارس و الجامعات و اختبارات المباراة للوظائف و يصدر من الصغار و الكبار… و أستعرض هذا الموضوع بشكل موسع نأمل أن يكون خطوة نحو إيجاد حلول أكثر فعالية في جعل الغش عند الجميع عادة سيئة فلولا و فعلا وجنحة يعاقب عليها بالحبس و الغرامة أو بواحدة منهما.
أصبح من المألوف و اعتيادي عند الطلاب بجمع المستويات أن يقضوا بعض الليالي في إعداد ما يمكنهم من النجاح بتقدير ممتاز في مواد اللغات أو التشريح أو الهندسة أو التاريخ أو… و قبل أداء أول واجباتهم يجلسون إلى الحاسوب للدردشة مع بعضهم البعض. و فجأة يخطر ببال البعض منهم أن يخفف من بعض أعباءهم و واجباتهم الكثيرة عن طريق أخذها من « الإنترنيت ».
و يجيء الطالب جهاز البحث الخاص به و يضغط على زر اللغة و في خلال 20 دقيقة يقع تحت يده كل ما كان يحتاج إلى معرفته مكتوبا باللغة الرصينة التي يرغبها. , بسرعة يطبع مرة أخرى المعلومات التي يحتاجها، ويتمكن من تسليم المقالة المطالب بإعدادها و تقديمها إلى أستاذه في اليوم التالي.
و يفسر أحد الطلبة سلوكه هذا بقله: » لدي كم هائل من الواجبات الدراسية، و أدائي في الدراسة لا أحسد عليه، ليس في المستوى المطلوب و المأمول، و وجدت أن ذلك أحد السبل إلى تحسين تقدري، و لا أعتقد أنه غش لأنني لم أتوقف حتى للتفكير في ذلك.
إن آلاف الطلاب من مراحل أللإعدادي و الثانوي و الجامعي في بلادنا يواجهون مع كل إشراقة كل صباح نفس القضايا و الأسئلة و المعضلات الأخلاقية، و لقد أثبتت الدراسات أن معظمهم يختارون الغش. ففي دراسة أجريتها على طلاب المؤسسات الثانوية في جهة عبدة- دكالة، اعترف 85 بالمائة من طلاب المؤسسات الذين يحققون معدلات عالية بأنهم يحققون معدلات عالية بأنهم غشوا في الامتحانات أو حاربوا أو يجنبوا الغش ولو لمرة واحدة على الأقل، وقال نصف المستجوبون ك إنهم يعتقدون أن الغش ليس خطأ با لضرورة ما دام الساعات الإضافية تعد أكبر عملية غش و عندها ينعدم الأستاذ ضميره، فمقابل الواجب المؤدى عن الساعة الواحدة يفوق 200 درهم ليمنح الأستاذ نقطة عالية تصل إلى 20/20 في غالب الأحيان بل وقال 100بالمائة من هؤلاء بائعي النقط لم يتم ضبطهم، و95 بالمائة من الذين غشوا إنهم لم يتم ضبطهم أبدا. و وفقا لبحث « النزاهة » يعتر ف 4/3 طلاب الجامعات بأنهم غشوا أو جربوا الغش مرة واحدة على الأقل، في حين كشف استطلاع للرأي اجري السنة الفارطة أن 90 بالمائة من طلبة الجامعة الغشاشين لا يجدون رادعا يمنعهم من الغش.
, بداهة إن نقل الأجوبة من الغير ليس أمرا جديدا، بيد أن الذي تغير هو نطاق المشكلة، و التقنية التي فتحت أفاقا جديدة للغش، و وسائل تؤدي إليه، و جرأة الطلاب في استخدامها و تأكل وازع الضمير في جميع مراحل التعليم.
و قد وسعت مؤخرا نطاق الدراسة أعددتها عن الغش بحيث تشمل طلاب الدراسات العليا و منهم طلبة الهندسة، » إنني في فزع مما كشفت عنه الدراسة، و أتمنى ألا أصاب يوما بلوثة عقلية ».
و للــــغـــش فـــنــــون و تــقـــنـــيـــات
إن الغش الأكاديمي لم يكن أبدا بهذه السهولة، إذ يمكن للطلاب الوصول إلكترونيا إلى سجلات الأسئلة و بث إجابات الاختبارات عن طريق أجهزة النداء الآلي أو الهاتف النقال بما يسمى بالجوال، بل وسيسرقون الاختبارات الفصلية من مئات المواقع على الشبكة العنكبوتية الوطنية أو الدولية. و أصبح من العسير مقاومة إغراء الغش، بل وأسمى من اليسير تبريره في وقت تزداد فيه أعباء الواجبات المنزلية ومعها ضغوط هائلة على الطلاب تدفعهم دفعا نحو التفوق و الامتياز في الدراسة، و مصدر هذه الضغوط يتوزع بين المتفوقين الذين يلهث أقرانهم من أجل اللحاق بهم و الآباء الذين يعقدون أملا كبيرة على أبنائهم. و قد يغش المتفوقون كما يغش المتأخرين دراسيا، و حذت البنات في الغش حذو البنين.
, الواقع أن الشيء الوحيد الذي جعل حالة « ح.ن »تبدو غير عادية هو أنها ضبطت متلبسة بالغش فحصلت على صفر في المقالة التي كتبتها باللغة الفرنسية من الانترنيت و شهرت بها الجامعة.
عن جزءا من المشكلة يرجع إلى عدم إدراك الناس لمفهوم الغش، غذ متى يعد أخذ معلومات من على شبكة الإنترنيت عملا بحثيا، و متى يعد إجراميا لصوصيا؟ و أين ينتهي التعاون و يبدأ التلصص و الانتحال؟ إن القواعد المحددة لمثل هذه الأعمال ليست بالوضوح النافي للبس و الالتباس لا سيما إذا وضعنا في الاعتبار تزايد المدارس التي تركز على العمل الجماعي و تؤكد عليه، مما أدى على ذيوع و انتشار ظاهرة نقل حل الواجبات من الآخرين بين الطلاب ، و انتشار ظاهرة تكليف طلاب اسلك الابتدائي و الإعدادي بمشروعات معقدة خصوصا بمادة العلوم و تكليف طلاب الجامعات بإعداد تطبيقات غريبة الأفكار والأطوار تحمل الخاتم الميز لها و هو اشتراك الآباء و الأولياء في إعدادها.
إن أكثر ما يزعج ذوي الضمائر الحية في الحقل التربوي و في نفوسنا و ما يحز فيها و يقض مضجعهم و مضجعنا هو انتشار ظاهرة الغش في المرحلة الابتدائية – النظر إلى كتابة الآخرين في الاختبارات على مرأى من عيون المدرسين و المراقبين – تبلور في صورة غش أكثر خطورة في السلك الإعدادي و السلك الثانوي مع ازدياد أعداد الطلاب و بدء ظاهرة نقل التلاميذ شبه أليا من مستوى إلى مستوى أعلى و كثرة تغيير المدرسين. و أذكر, و قد مارست مهنة التدريس و جمعت بيانات عن أكثر من 30000 طالبا إني منذ 30 سنة أعترف 40 بالمائة فقط من طلبة الجامعات بأنهم غشوا أو تمكنوا من الغش في المرحلة الثانوية.
أما اليوم فغن عديدا م الدراسات التي أجريتها قد بين أن هذا الرقم تضاعف على نحو انفجاري حتى وصل إلى مدى يتراوح في المناطق المختلفة بين 85 و95بالمائوة من الطلاب.
و مثال ذلك الطالب « علي » بالسنة الثالثة بجامعة أبي شعيب الدكالي الذي لا يكاد يذكر أول مرة تمكن فيها من الغش حيث يعتقد انه بدا يغش من المرحلة االاعدادي، فكان ينقل أجوبة مسائل واجب الرياضيات من زملائه و كثير ما كان يقون بكتابة المعادلات الهامة على ذراعه ( و طلب « علي » عدم الإفصاح عن اسمه الحقيقي و هو نفس ه طلب الغشاشين الآخرين المعاصرين أنفسهم الذين استشهدت بهم في هذه المقالة).
وبعد عقد من بدء ممارسة الغش، طريق النجاح السريع، ما زال « علي » يمارسه، و آخر حالة غش ارتكبها هي سرقته لمقالة من الإنترنيت عن » العنصرية في مرحلة ما بعد الحرب على غزة العزيزة »، رغم أنه يقول في أسى عميق : » أدرك أن ذلك خطأ، و لكن لا أشعر بالندم عليه لا سيما و أنني أعرف أن الجميع يمارسه. أما لو حدث و سرقت اختبارا أو شيئا من هذا القبيل فسأشعر بالذنب، و لكن لا يؤرقني الحصول على إجابة سؤالين أو ثلاثة من هنا أو هناك ».
قد حول التنافس و التسابق على دخول كليات القمة و النخبة المرحلة الثانوية إلى سباق محموم يتبارى فيه الطلاب المتميزون للحصول على مقعد في هذه الكليات، كما خلق هذا السباق جيلا جديدا من المجرمين هم الغشاشون الأذكياء. , إن تعجب فعجب لما قاله طلبة السنة الأخيرة و قبل الأخيرة في كلية النخبة في المسح الذي أجريته، إذ تحدثوا عن قيامهم بنقل أجوبة أسئلة الواجبات المنزلية من زملائهم و لأنهم مارسوا مختلف صنوف الغش للتفوق على سائر أقرانهم، و هنا أقول في أسى عميق : » إن المعدلات و الدراجات و التقديرات هامة للغاية لهؤلاء الطلاب، بعد أن شهدت الارتفاع الهائل في حالات الغش و نقل الأجوبة بين الطلاب الذين يهدفون إلى الالتحاق بكليات الطب و مدارس و معاهد الهندسة و التسيير و الذين ينتمون في الغالب الأعم إلى الأسر الثرية الميسورة .
ماذا يحدث بالمدارس ؟
إن القول بأن المدارس تغص بالغشاشين لا يتفق دائما مع ما يقوله الإداريون بهذه المدارس و المعاهد و الكليات عما يجري في قاعات الدراسة و الممرات المؤدية إليها. يا عجباه، مازالوا أطفالا في الثانية عشرة و الثالثة عشرة و الرابعة عشرة و يلجئون إلى الغش. هكذا صاح متعجبا مدير إحدى المدارس الإعدادية و أردف يقول: » غير أن الغش ليس واسع الانتشار داخل المؤسسة ». و في الثانوي التأهيلي في بلدة آزاما كشفت النقاب عن عشرات عمليات غش كبيرات في السنين الفارطة تورط فيها أكثر من عشرات طلاب تتصدر أسمائه القائمة السوداء غير أن مدير يصر على أن هذه الحوادث متفرقة و منعزلة رغم تورط كاتب إداري.
بيد أن الطلاب الذين حاورتهم في لقاءات متكررة مع طلاب يمثلون كافة فئات و طوائف و طبقات المجتمع المغربي، قدموا قراءة مختلفة للموقف على نحو مثير، إذ تقول » لطيفة » الطالبة بجامعة الطب بالدار البيضاء : » أن الغش غش ينبغي ألا نمارسه، و لكن تمر بنا أوقات نشعر أن الغش فيها ضرورة حتمية لأننا لا نجد لا نجد الوقت الكافي للدراسة ». و هنا تشير »لطيفة » إلى أنها وجدت نفسها الشهر المضي أمام بحث منزلي في الأمراض التناسلية مكلفة بإنجازه في ساعات قليلة، و نفس الوقت مضطرة إلى القيام 24ساعة/24ساعة بالحراسة الليلية بقسم المستعجلات. و لذلك جعلت زميلا لها ينسخ المقالة و يسلمها باسمها، و تعلق على ذلك قائلة: » إن الأمر ليس صفقة كبيرة لأنه مجرد سعي إلى التغلب على صعوبة واجب غير معقول »، و هذا أصبح الغش لديها مبررا لا سيما و أنها تقول: » إن هذا الواجب ليس اختيارا نهائيا أو اختيار منتصف الفصل ».
و أكثر ما يؤرق المدرسين و المربين أن الغش بكافة أنواعه يحط من قدر و قيمة العلم و العلم و التعليم و المتعلم و المستوى الثقافي.
وأرثي الثانوية التأهيلية في آزمور لواقع انتشار الغش و استشرائه: » إننا غير قادرين نوعا ما على إقناع التلاميذ بأهمية التعليم، و ما يهمنا هو نتاج و مخرجات العملية التعليمية. لقد أصبح – في نظر عدد عائل من التلاميذ و أولياء الأمور – الحصول على شهادة معينة أو منحة دراسية أهم من اكتساب المعرفة و تحصيل العلم« .
إن الضغوط التي يتعرض لها الطالب لكي تكلل جهوده بالتوفيق و يمضي قدما على طريق النجاح، خاصة في الاختبارات الصعبة و الحساسة، قد تدفع الطالب إلى النظر في الإتيان بأعمال متطرفة أو غير معقولة أو مقبولة، فمثلا منذ شهرين لأم يهتم التلميذ « سعيد » بشيء أكثر من اهتمامه بتحقيق أداء متميز في اختبارات الدراسة بصفة عامة يؤهله لدخول » معهد الحسن الثاني للزراعة و البيطرة » و في هذا الصدد : » إذا حصلت على معدل علي سأتمكن الدخول و الالتحاق بمدارس و كليات و جامعات ذات سمعة طيبة و تأتيك المنحة الدراسية و يصبح الولوج مضمون، و أما إن كنت من غير المتميزين الذين حققوا درجات عالية (باستحقاق أو بالزبونية و المحسوبية و الرشوة و الأتوات…)، فإن مصيرك إلى إحدى كليات المجتمع، و ينتهي بك الأمر إلى أداء عمل ( إن كنت محظوظا للحصول عليه) غير ذي أهمية فيما تبقى من العمر)، و هكذا يبرر الغش « سعيد » الطالب بالسنة الثانية من سلك الباكالورية » و هو الذي سيضطر إلى تغطية 100/100تكاليف دراسته الجامعية بنفسه على حساب أسرته. و بسب تعطله المحموم إلى امتلاك ميزة تنافسية على زملائه، بدأ يبحث و يتجول في شبكة الإنترنيت و سرعان ما عثر على نسخة من أسئلة الاختبارات تفاخر فيها الطلاب بسرقتها.
لقد انتقل الغش إلى طور جديد تماما مع اختراع أجهزة مراقبة منها الكاميرات الخفية و أجهزة التسجيل. و أذكر حالات عديدة تم فيها إخفاء كاميرات فيديو بحجم 5X5سنتسمرا في رابطة عنق الطالب المتقدم للاختبار أو ساعته أو سترته أو تحت حجاب المحتجبة التي عادة ما تكون متبرجة طول عمره الدراسي و استخدمت هذه الكاميرات في إرسال معلومات عن أسئلة الاختبار إلى « خبير »في مكان بعيد خارج المؤسسة، و يقوم هذا الأخير بتجميع الإجابات بسرعة و إرسالها إلى جهاز نداء آلي صامت يحمله الطالب اخل قاعة الامتحان. ضبطت مؤخرا طلابا يستخدمون لغة الإشارة في نقل أجوبة الاختبار إلي بعضهم بعضا، لو قضى الطلاب وقتا طويلا في مراجعة و مدارسة دروسهم و استذكارها كالذي يقضونه في إعداد وسائل الغش لتخرج لدينا علماء في الصواريخ في كل مكان.
و إذا كان الطلاب يقضون أول وقت وصولهم كل يوم إلى المدرسة في نقل الواجبات من بعضهم بعضا فإن ذلك يرجع إلى المدرسة لم تحدد بدقة ما يعد خروجا من التعاون و يدخل في باب الغش، مما جعل طلابنا يعتقدون أن حل الواجبات مع صديق أو أحد من أفراد العائلة لم يمثل خرقا للأمانة، بل ويلوم بعض المدرسين لعدم إدراكهم مفهوم التعاون، حيث يتضح رأيه في قوله ضاحكا: » أن بعض المدرسين يقولون أ،ه لا يجوز فعل ذلك ». و آخرون يقولون: » إن رأيين أفضل من رأي واحد. » إذا مع من نتفق؟ الرـي الأول أم الرأي الثاني؟
و في دراسة في موضوع : » الخيانة الأكاديمية » قمت بها شملت 1000 طالبا من المرحلتين ألإعدادي و الثانوي التأهيلي أعطت أن 80 طلاب فقط ذكروا حل الواجبات مع زملاء الفصل يعتبر غشا، و اعتقد نصف العينة فقط أن من الخطأ أن يقوم الآباء بحل الواجبات لهم. لكن السؤال المطروح هنا: أين بالضبط ينتهي العمل الجماعي أو التعاون و يبدأ الغش؟ إن الإجابة على هذا السؤال ليست سهلت إ ذ أن الأمر ليس دائما واضحا حتى لذي الكبار. وفقا لاستطلاع الرأي الذي أجريته أيضا، أعتقد أن 35% من الباغين أن حل الواجبات للطفل يعد أمرا معقولا لا غبار عليه. ولا عجبا أن يرى المدرسون ا لطلاب من جميع الأعمار يقدمون لهم مقالات بها كلمات لا يستطعون نطقها أو لفظها و لا نقول تعريفها أو تحديد معناها.و تقول الأستاذة الزهرة أخزام أستاذة اللغة الفرنسية ، إنها كثيرا ما ترى أثر تدخل الآباء الزائد عن الحد في حل واجبات أبنائهم. و تروي حكايات لا حصر لها عن المقالات التي يتعين على الطلاب كتابتها ضمن طلبات الالتحاق بالكليات و الجامعات إذ يقوم الأبوان بتحريرها، بل أسوء ما في الأمر أن تحل الكلمات الضخمة و القحمة و الزنانة محل أي لفظة أو كلمة تفوح منها رائحة الشباب و شخصيته., من المؤسف أن يأتي قدر كبير من هذا الغش من البيت إذ هاجس الآباء هو النجاح بأي ثمن.
إن الآباء الذين يحررون في حب و فخر و سرور التمارين المنزلية لأبنائهم يعدون أحد أسباب قيام بعض المدارس في جميع أنحاء الطن داخل المدن خاصة حاليا بتكليف التلاميذ بتحرير كثير من أعمالهم التحريرية في الفصل. و هو ما يمنعهم أيضا من سرقة المقالات من الشبكة العنكبوتية و ربي فيهم روح المبادرة و الاعتماد على النفس.
إن أولياء الأمور الذين يقومون بحل جل واجبات أطفالهم غالبا ما يحبطونهم من خلال ترسيخ مفهوم عجز الطفل عن القيام بالعمل وحده. و حنق اعتراف أحمد.ن و والد لخمسة أطفال بقيمه « بالمشاركة العادلة في مساعدة الأطفال في الواجبات الصعبة و مشروعات العلوم. إننا في غالب الأحيان نتفهم السبب و راء تدخل الآباء إذ يصح القول : » تشعر أنك بين المطرقة و السندان فتحاول من ناحية القيام بما يجب و ينبغي بيد انك تدرك أن طفلك الخاسر، لأن أباء زملاء ابنك الآخرين بالفصل يقومون بحل الواجبات لأبنائهم ».
إن الإستطلاع الذي أجريته أن أكثر من نصف البالغين يعتقدون أنهم مضطرون إلى ممارسة الكذب و الخداع و الغش من أجل أن تسير أمور حياتهم. و يبدوا أن هذه العقلية تنتقل إلى الأطفال. و هنا يكمن الخطر المحدق.
أن الطلاب يرون الكبر من أباء و رجال أعمال و مدرسين و مديرين مؤسسات عمومية و غير عمومية و محامين و رجالات الأمن و غير من المسئولين و رجال السياسة و النقابات ينتهكون المعايير الأخلاقية دون عقاب رادع، هذا إن وجد العقاب أو طبق أصلا، و سرعان ما يستنتجون أنه إذا كان هذا السلوك مقبولا في المجتمع الأكبر، فما هو الخطأ في ممارسة عملية الغش صغيرة في المدرسة، الثانوية أو الجامعة؟؟؟؟؟؟.
إن توجيهات الآباء و المدرسين في الغالب الأعم هي: » عليك أن تبذل كل ما في وسعك و بأي ثمن من أجل الوصول إلى القمة »، و غاب السعي نحو تكوين أو إشباع رغبة المرء في القيام بدور المواطن الصالح على حد قول الطالب نوفل.م الطالب بالسنة النهائية بالمعهد العالي للتكنولوجيا التطبيقية و الذي يقول: » متى وصلت إلى المرحلة النهائية من التكوين لا صوت فوق سطوة المعدلات العالية و التقديرات و يحمى وطيس معركة الحصول على المنح الدراسية بالجامعات داخل و خارج التراب الوطني ».
من يعلم الغش؟ هل المؤسسات التعليمية؟
يلوم البعض المدارس و ليس الآباء أو الطلاب أنفسهم على انتشار وباء الغش. إنه ينبغي علينا النظر في طريقتنا في إدارة مؤسساتنا التربوية (بما فيها المنزل) و في مدى تسامحها مع الغش بل وتسهيله و تيسيره و هنا أشير على المدرسين الذين يدرسون لفصول كبيرة العدد و لا يجيدون الوقت الكافي للتعرف على طلابهم أو ابتكار واجبات منزلية جديدة لا يمكن سرقها من الإنترنيت. و أحيانا تكون المدارس مسئولة مسؤولية مباشرة.
و من المؤسف أن معظم الغشاشين لا يتم ضبطهم، و الواقع أن السبب الرئيسي و راء لجوء الطالب إلى الغش قد يكون إفلاتهم بجريمتهم إذ لم نقل التعاطف معهم. و أن الطلاب لا يبلغون أبدا على الأرجح عن زميلهم الذي يغش، كما لا يرغب معظم المدرسين في القيام بدور « الشرطي ».
إن الإجراءات هي أقل المتاعب التي يواجهها المتتبعون لقضايا الغش كما أن محاولة إيقاف الغش قد تؤدي إلى تعقيدات وأخرى، و هي مضيعة للوقت، بل وقد تجر المرء في سوء الأحوال إلى ساحة القضاء. و في هذا الصدد أقول حين كنت أستاذا للعلوم الطبيعية أني غشيت أن أواجه دعوى قضائية عندما عنفتني إحدى الأمهات على تدميري للتقدير الذاتي لدى ابنتها و تحطيم نفسيتها بسبب تعنيفي للابنة على غشها في الاختبارات إذ ترى الأم أنه كان علي أن أنتظر حتى تنتهي الفتاة من الاختبار ثم ألومها و أعنفها.( و أنا أعلم أن البكاء وراء الميت خسارة). رغم أن الأمر نادرا ما يصل إلى ساحة القضاء إلا أن المدرسين في جميع أسلاكه يقولون بأنهم يخشون تتبع الغاشين و ضبطهم لأن الأمر قد ينتهي بمقاضاة الأستاذ و ليس الطالب الغشاش، و أما الدليل على ذلك فهو الدعوة القضائية التي جررت الأستاذ ح.ع أستاذ العلوم الطبيعية إلى ساحة القضاء، و تهديده، وقذفه و بيته بالحجارة، وصياحهم ضده كلما مرة في شوارع المدينة بهتافات عدوانية لا لجرم ارتكبه بل بسب ضبطه تلميذ في عملية غش أثناء امتحانات الباكالوريا.
و في ذلك أقول : » و لكي نحارب نحن المربون الغش الذي أعتبره في خطورة تعاطي المسكرات في سن الصغر علينا جمعا بما في ذلك و زارة التربية و سلطات وآباء و مجتمع مدني بتطبيق إجراءات مضادة مثل برامج « تربية الشخصية و قواعد و مواثيق الشرف و سياسات الأكاديمية الصارمة،إنني لا أقول إنه من المستحيل أن يتمكن الطلاب و التلاميذ من الغش، و لكننا نتخذ خطوات عديدة من أجل ضمان نزاهة اختباراتنا ».
متى ستفخر هيئة خدمات الاختبارات التعليمية الجهوية و المركزية بجهودها الوقائية في مكافحة « الغش » و التي تهدف لا محالة إلى قطع الطريق على المزورين و المرتشين و المزيفين و الغشاشين و « بائع النقط في المزاد العلني » داخل الفصل و خارجه و اللصوص قبل و أثناء ارتكابهم للغش.
إن أبسط الاحتياجات قد تؤدي إلى تغيير كبير، و من هذه الاحتياجات توفير تدريب أفضل للملاحظين الذين يقومون بالحراسة في فطرة الامتحانات الجهوية و الوطنية، و تخصيص خط ساخن مجاني للإبلاغ عن الأنشطة المربية، و من أمثلة ذلك أيضا إيقاف اختلاس النظرات التي تظهر على الطالب في الجزء الأول من الاختبارات حتى تختفي فعليا ظاهرة التلفت و اختلاس النظر داخل قاعات الاختبارات.
إنني لا أحاول لا أحاول تلطيخ سمعة التلميذ أو الطالب، و لكن لسان حلنا يقول: » علينا أن نفكر مليا في هذا الموضوع الشين و ما يجلب علينا و على المجتمع كله من أخطار ».
فهل سيصلح الغشاشون من شأنهم و يعدلون عن أساليبهم ؟ و ليعلم المجتمع الغشاش أن رجال التعليم ليسوا بأغبياء كما يظن بعض المغفلين.
أن الغش إثم ينبغي أن يرفضه ضميرك و يستثير رفضك له بسبب خطأ ما تفعله و خسته.
طلق الغش إلى الأبد مهما كانت صعوبة الاختبارات و تراكم الواجبات.
* حمزاوي عبد العظيــــــــــــــم
كــــاتـــــــب صحفـــــــــــــــــــي
باحث في الحقل التربـــــــــــــوي